"الجزائر بعد الاستقلال: محطات مفصلية في تاريخ الجزائر مع د. محيي الدين عميمور في مخيال (الجزء الثاني)"
الجزائر في عهد هواري بومدين والتحولات الكبرى في السياسة العربية
دور هواري بومدين في تاريخ الجزائر وتأثير هزيمة 1967 وحرب أكتوبر
يمثل عهد الرئيس الجزائري هواري بومدين واحدة من أهم المراحل في تاريخ الجزائر الحديث، ليس فقط بسبب التحولات الداخلية التي شهدتها الدولة بعد الاستقلال، ولكن أيضًا نتيجة الحضور الجزائري المتزايد في القضايا العربية والإقليمية. وفي الجزء الثاني من لقاء د. محيي الدين عميمور في برنامج «مخيال»، تعود الذاكرة إلى هذه المرحلة للكشف عن صورة أكثر قربًا من الأحداث والشخصيات التي صنعت جانبًا مهمًا من تاريخ الجزائر.
يستعرض د. محيي الدين عميمور دور بومدين خلال مرحلة الثورة الجزائرية وما تلاها من بناء مؤسسات الدولة، كما يناقش المكانة التي اكتسبتها الجزائر بعد استقلالها عام 1962 ومحاولتها لعب دور مؤثر في القضايا العربية والإفريقية والدولية. وقد تولى بومدين رئاسة الجزائر منذ عام 1965 وظل في السلطة حتى وفاته عام 1978، وهي فترة ارتبطت بتحولات سياسية واقتصادية كبيرة داخل البلاد.
ويخصص عميمور جزءًا من حديثه لتأثير هزيمة يونيو 1967 على الجزائر والعالم العربي. فالهزيمة لم تكن حدثًا عسكريًا يخص مصر وسوريا والأردن فقط، بل تركت انعكاسات سياسية ونفسية واسعة على المجتمعات العربية. وكانت الجزائر في عهد بومدين من الدول التي دعمت الموقف العربي، وشاركت لاحقًا بقوات ومعدات عسكرية في حرب أكتوبر 1973 إلى جانب مصر وسوريا.
ومن خلال شهادته، يحاول عميمور توضيح الطريقة التي كان الجزائريون ينظرون بها إلى الأحداث العربية في تلك المرحلة، ومدى ارتباط قضايا المنطقة بالوعي السياسي الجزائري الذي تشكل بعد سنوات طويلة من مقاومة الاستعمار الفرنسي.
كما يتناول البرنامج العلاقة التي جمعت عميمور بالكاتب والصحفي المصري محمد حسنين هيكل، وما دار بينهما من لقاءات ونقاشات حول التطورات السياسية في المنطقة. وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة نظرًا إلى وجود عميمور داخل دوائر العمل الإعلامي والسياسي في الجزائر خلال عهد بومدين.
ويشرح عميمور جانبًا من عمله كمستشار إعلامي، الأمر الذي أتاح له الاقتراب من عملية صناعة القرار ومتابعة طريقة تعامل القيادة الجزائرية مع الأحداث الإقليمية والدولية. ولذلك لا تقتصر شهادته على سرد الأحداث التاريخية، بل تقدم رؤية شخصية لشخص عاش بالقرب من عدد من المسؤولين والشخصيات المؤثرة في تلك المرحلة.
وتنتقل الحلقة بعد ذلك إلى حرب أكتوبر 1973، حيث يستعيد عميمور تفاصيل تتعلق بالموقف الجزائري من الحرب وزيارة الفريق سعد الدين الشاذلي إلى الجزائر. وتوضح هذه الأحداث حجم الترابط العسكري والسياسي العربي الذي حاولت عدة دول بناءه خلال تلك الفترة، خاصة بعد الآثار التي تركتها حرب 1967.
عام 1971 وعلاقة الجزائر بليبيا وانقلاب الصخيرات واتفاقية الجزائر
يصف د. محيي الدين عميمور عام 1971 باعتباره محطة مهمة في حياته الشخصية والمهنية. ومن بين الأحداث التي يستعيدها قصة مقال كتبه عن ليبيا، وما ترتب عليه من اهتمام الرئيس هواري بومدين بما ورد فيه، وهو ما يكشف جانبًا من العلاقة بين العمل الإعلامي والسياسة في الجزائر خلال تلك الفترة.
وينتقل عميمور إلى الحديث عن العلاقات الجزائرية الليبية، واللقاءات التي جمعت بومدين بالزعيم الليبي معمر القذافي. وقد شهدت المنطقة العربية خلال سبعينيات القرن الماضي تغيرات متسارعة، مع صعود أنظمة سياسية جديدة ومحاولات متكررة لبناء تحالفات ومشروعات تعاون عربي.
كما يناقش عميمور أحداث انقلاب الصخيرات عام 1971 في المغرب، ويضعها ضمن السياق الإقليمي الأوسع الذي كانت الجزائر تتابعه عن قرب. ولا يقدم البرنامج هذه الأحداث باعتبارها وقائع منفصلة، وإنما يحاول الربط بينها وبين طبيعة العلاقات السياسية بين دول المغرب العربي والتحولات التي كانت تشهدها المنطقة.
ومن أهم الملفات التي تتناولها الحلقة اتفاقية الجزائر عام 1975 بين العراق وإيران. جاءت الاتفاقية في مرحلة شهدت توترًا بين بغداد وطهران، ولعبت الجزائر دور الوسيط بين الطرفين. ووقّع الاتفاق خلال قمة منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» في الجزائر، في حضور الرئيس هواري بومدين، بينما مثّل العراق آنذاك صدام حسين بصفته نائبًا للرئيس، ومثّل إيران الشاه محمد رضا بهلوي.
ويتوقف عميمور عند الأسباب التي ساعدت الجزائر على القيام بهذا الدور الدبلوماسي، كما يتناول طبيعة علاقة بومدين بصدام حسين والعلاقات الجزائرية العراقية في تلك المرحلة.
وتبرز هذه الأحداث جانبًا مهمًا من السياسة الخارجية الجزائرية في عهد بومدين، عندما سعت البلاد إلى توسيع حضورها الدبلوماسي خارج محيطها المباشر، مستفيدة من المكانة السياسية التي حصلت عليها بعد حرب التحرير الجزائرية وعلاقاتها مع عدد كبير من دول حركة عدم الانحياز والعالم العربي.
من وفاة بومدين والعشرية السوداء إلى الحراك الجزائري عام 2019
وفاة هواري بومدين وصعود الشاذلي بن جديد واغتيال محمد بوضياف
تنتقل شهادة د. محيي الدين عميمور إلى واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الجزائر، وهي وفاة الرئيس هواري بومدين عام 1978 وما ترتب عليها من انتقال في السلطة.
ويتناول عميمور الظروف السياسية التي صاحبت اختيار الشاذلي بن جديد رئيسًا للجزائر، وما مثله ذلك من بداية مرحلة جديدة اختلفت في بعض توجهاتها عن سنوات حكم بومدين.
ومع مرور السنوات دخلت الجزائر في تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية متزايدة التعقيد. وظهرت خلال نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات أزمات داخلية عميقة أدت في النهاية إلى واحدة من أصعب المراحل التي عاشتها البلاد، والتي تعرف عادة باسم العشرية السوداء أو الحرب الأهلية الجزائرية.
ويربط عميمور بين هذه التحولات وبين بعض الأحداث التي عاشها أو تابعها عن قرب، مقدمًا شهادته الشخصية حول شخصيات وقرارات لعبت أدوارًا مهمة في تلك المرحلة.
ومن أكثر الأحداث صدمة التي تتناولها الحلقة اغتيال الرئيس محمد بوضياف. فقد عاد بوضياف إلى الجزائر في عام 1992 بعد سنوات طويلة قضاها خارج البلاد ليتولى رئاسة المجلس الأعلى للدولة، لكنه اغتيل في 29 يونيو من العام نفسه أثناء إلقائه خطابًا علنيًا في مدينة عنابة، في واقعة التقطتها كاميرات التلفزيون.
وأصبح اغتيال بوضياف واحدًا من أبرز الأحداث المرتبطة ببداية المرحلة الدموية في الجزائر خلال التسعينيات، وهي مرحلة شهدت مواجهات واسعة وأعمال عنف تركت آثارًا عميقة داخل المجتمع الجزائري.
ومن خلال استعراض هذه الأحداث، تقدم الحلقة صورة متشابكة عن الانتقال من مرحلة بومدين إلى مرحلة الشاذلي، ثم الأزمات السياسية التي شهدتها الجزائر في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.
ولا يعتمد عميمور فقط على التسلسل الزمني للأحداث، بل يعود إلى كواليس عدد من المواقف والاجتماعات والعلاقات الشخصية التي عرفها خلال سنوات عمله السياسي والإعلامي، وهو ما يمنح حديثه طابع الشهادة الشخصية إلى جانب السرد التاريخي.
العشرية السوداء وحراك الجزائر 2019 والربيع العربي
تمثل العشرية السوداء واحدة من أكثر الفترات تأثيرًا في تاريخ الجزائر المعاصر، ليس فقط بسبب حجم العنف الذي شهدته البلاد، وإنما بسبب الانعكاسات الاجتماعية والسياسية التي امتدت لسنوات بعدها.
ويتناول د. محيي الدين عميمور هذه المرحلة ضمن مسار طويل من التحولات التي مرت بها الجزائر بعد الاستقلال، ثم ينتقل إلى الأحداث الأكثر قربًا من الحاضر، وعلى رأسها الحراك الجزائري عام 2019.
بدأت موجة واسعة من الاحتجاجات الشعبية على المستوى الوطني في 22 فبراير 2019، بعد إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عزمه الترشح لولاية رئاسية خامسة. واستمرت المظاهرات بصورة منتظمة، وطالبت في بدايتها بعدم ترشح بوتفليقة ثم توسعت مطالب قطاعات من المشاركين لتشمل تغييرات أوسع في النظام السياسي.
وفي 2 أبريل 2019 قدم بوتفليقة استقالته من منصب رئيس الجمهورية بعد نحو عشرين عامًا في السلطة، لكن المظاهرات استمرت بعد رحيله، مع استمرار مطالب جزء كبير من الحراك بإجراء تغييرات سياسية أعمق.
وقد تميز الحراك في مراحله الأولى بمشاركة فئات اجتماعية وعمرية مختلفة، وأظهرت الدراسات التي تناولته مشاركة الشباب وكبار السن والنساء والرجال واتجاهات سياسية واجتماعية متعددة. كما استمرت المسيرات الأسبوعية بصورة منتظمة حتى أدت جائحة كورونا إلى توقف التجمعات الواسعة في مارس 2020.
ويستعرض عميمور هذه التطورات من خلال رؤيته لمسار الدولة الجزائرية منذ الثورة والاستقلال وصولًا إلى الاحتجاجات الحديثة، موضحًا كيف تغيرت العلاقة بين المجتمع والسياسة عبر العقود المختلفة.
وتتناول الحلقة كذلك موقفه من الربيع العربي والتحولات التي شهدتها عدة دول في المنطقة منذ عام 2011. وكانت التجربة الجزائرية مختلفة في توقيتها ومسارها عن عدد من دول المنطقة؛ إذ لم تؤد احتجاجات تلك الفترة إلى تغيير السلطة، بينما برز الحراك الشعبي الواسع لاحقًا في 2019 وأدى إلى استقالة بوتفليقة. وتشير دراسات عن الحراك إلى أنه مثل أحد أبرز الأحداث السياسية في الجزائر منذ الاستقلال، مع استمرار الاختلاف بين الباحثين والفاعلين السياسيين حول نتائجه ومدى ما حققه من تغيير مؤسسي.
ويمنح حديث د. محيي الدين عميمور في برنامج «مخيال» فرصة لفهم هذه الأحداث من زاوية شخص شارك في الحياة السياسية والإعلامية الجزائرية وشاهد مراحل مختلفة من تاريخ الدولة، بداية من سنوات هواري بومدين، مرورًا بحرب أكتوبر واتفاقية الجزائر والعشرية السوداء، ووصولًا إلى الحراك الجزائري وثورة 2019 والنقاشات التي أعادت طرح أسئلة السلطة والمجتمع ومستقبل الحياة السياسية في الجزائر.